in ,

بين مدرستين

عمر أبو القاسم الككلي

عمر أبو القاسم الككلي

ابتدأت علاقتي بالمدرسة حوالي سنة 1961، لما كنا في منطقتنا (العموريين، أو أولاد سي عمر) بالجبل في ككلة، وكانت المدرسة في القرية الدانية من قريتنا (تكبال، التي منها القصاص الليبي ذائع الصيت خليفة التكبالي).

نظام سكن قريتنا، والعديد من القرى المماثلة لها، كان يتنقل في نطاق ثلاثة أماكن، منطقة للإقامة الصيفية اسمها “لَحْلوق” جمع “حلق” وهو أرض ضيقة محصورة بين تَلِّيْن (ومن هنا تشبيهها بالحلق) صالحة لزراعة الحبوب وبعض الأشجار، والسكن فيها في (دواميس)، أي كهوف تحفر في التلال. في فصل الربيع ينتقلون إلى منطقة تسمى “لَعْزِيب” صالحة للرعي، والسكن فيها في دواميس هي الأخرى. أما في فصل الشتاء، فترة المدرسة، فييذهبون للإقامة في منطقة يسمونها “لِبْلاد” أي البلاد المتميزة بأن مساكنها فوق سطح الأرض ومبنية من الحجر.

كون أسرتي لا تمتلك بيتا حجريا في البلاد كان علينا الإقامة في “لحلوق”، وكان عليَّ، تبعا لذلك، قطع عدة كيلومترات صاعدا الجبل ونازلا منه ذهابا وإيابا،وحدي، يوميا. كنت أذهب صباحا وأصل قبل بدء فترة الدراسة الثانية في متسع من الوقت.

كانت المدرسة صغيرة وبها ثلاثة مدرسين (أظنهم كانوا يؤدون مهام الفترتين!) يقيمون في نفس المدرسة. بحجرة الدرس توجد صفتان من المقاعد. إحداهما (التي قرب الباب) للسنة الثانية والتي إلى جانب الحائط للسنة الأولى!.

يقسم المدرس السبورة إلى قسمين. يكتب شيئا للسنة الثانية ويطلب منهم نقله أو حله، ثم يعطي درسا للسنة الأولى ويعود بعدها للسنة الثانية.

أذكر الآن اسم مدرسين فقط: الأستاذ نوري والأستاذ أحمد القلعاوي. كانا في غاية اللطف. نسيت اسم المدرس الثالث الذي كانت به بعض القسوة.

كان الأستاذ أحمد القلعاوي يستلطفني ويمازحني أحيانا. ذات مرة، بعد نهاية الدروس، أفلت سير أحد نعليَّ بحيث أصبح يستحيل السير به، ومن شبه المستحيل أن أقطع عدة كيلومترات في أرض جبلية حافيا. كان مأزقا حقيقيا، خاصة وأن جميع التلاميذ قد غادروا. كان أستاذ نوري واقفا في الشرفة االمنخفضة التي كنتُ تحتها. حاولت أن ألفت انتباهه إلى مأزقي دون أن أكلمه. بدا أنه لم ينتبه.

جاء الأستاذ أحمد وأخذ يمازحني، قال له الأستاذ نوري:
– خليه. متكسرتله على الشط. مداسه تمزق!.
تفحص الأستاذ أحمد مداسي. أحضر نزاعة مسامير وأخذ ينزع مسامير مداسي التي أفلت السير وأضاف إليها مسامير نزعه من مداسه من مداسه وأصلح بها مداسي. وبفضله، لم أرجع حافيا.

درست شهورا قليلة فقط في مدرسة تكبال. ثم انتقلنا إلى طرابلس. التحقت بمدرسة العَلَمين، قرب مقبرة الهاني. كانت مدرسة كبيرة متعددة الحجرات ذات ساحة رحبة. الحجرة التي ألحقت بها واسعة تمتد بها ثلاثة صفوف من المقاعد. ودهشت لما اكتشفت أن الصفوف الثلاثة سنة أولى!.

بعد قليل جاء مدرس وسأل عني، خرجت إليه فطلب مني أن أحضر ما معي من كتب أو دفاتر لأنني سأنقل إلى فصل ثانٍ. كانت درجاتي في صحيفة مدرسة تكبال ممتازة، لذا كان أمرا طبيعيا أن أنقل فورا إلى السنة الثانية.
عدت إلى الفصل وأخذت كراساتي. سألني المدرس عن الأمر، فقلت له:
– حولوني صف ثاني.
خاطب المدرس التلاميذ:
– آهو، ريتوا زميلكم لقوه شاطر حولوه صف ثاني.
في “الصف الثاني” اكتشفت أنني في الصف الأول!. وكانت دهشتي بالغة من أن يكون في مدرسة واحدة أكثر من صف أول.

عطفا على ما فعله معي الأستاذ أحمد القلعاوي: في نهاية التسعينيات، تقريبا، حكت قريبة لي أن ابنتها، تلميذة الإعدادية، ذهبت في رحلة مدرسية. خلال الرحلة طلبت منها مدرسة إعارتها كنزتها الصوفية التي لم تكن ترديها. استجابت التلميذة، فاستخدمتها المدرسة فراشا لجلوسها!.

مع اقتراب المساء شعرت التلميذة بالبرد فطلبت من المدرسة أن تعيد إليها كنزتها التي أصبحت المدرسة تضعها على كتفيها. لكن المدرسة استمهلتها. كات التلميذة تتوسلها:
– يا أبلة صقعانة.
وكانت المدرسة تنهرها:
– أرجي شوية قلتلك!. خلاص، مروحين!.