in ,

الزمن الجميل وعباءة الأسلاف

نوارة الجبالي
نوارة الجبالي

نوارة الجبالي 

شتان بين أن تحن إلى الماضي أو أن تكون أسيرا له، فكثيرا ما نصف الماضي بالجميل ونتوق إليه ونتمنى عودته،  وأحيانا كثيرة، نشعر أن ارتباطنا به أكثر من تطلعنا إلى المستقبل، على الرغم من أن الماضي مليء بالصعوبات، ورغم ذلك نَحِن إليه. يبدو أن الحنين إلى الماضي ليس إلا محاولة للهروب من الواقع والخوف والقلق مما هو آتٍ ، وبالأخص عندما لا نكون مشاركين بفاعلية في صناعته، فالمستقبل يتأسس على الحاضر.

نستدعي الماضي لنلوذ به من الصعاب التي تواجهنا في زمننا الراهن وانعدام رؤية واضحة للمستقبل، بل هو أمر شائع بين الناس من مختلف الثقافات. فالإنسان يسترجع اللحظات الجميلة مقابل الصعبة التي يعيشها ، ويتوق إلى زمن يتحلى بالبساطة، وطفولة وادعة مليئة بالأمان و انعدام المسؤولية، يكون اللهو فيها عاملا بارزا.

يحن المرء إلى بيته الذي عاش فيه طفولته ، والأزقة التي جمعته بالأقران وأماكن اللهو، فالميادين والشوارع القديمة، تعود بالمرء إلى ماضٍ يستلهم منه العبر،  وربما يٌذكره  بالأسلاف.

عندما تزور بلدا آخر لا تكتمل معرفتك به إلا بزيارة مدينته القديمة وحواريها وأسواقها الشعبية لتكون الصورة بكل ألوانها. وسط البلد كما يسمى عادة  (وفي أغلب الثقافات)، هو التزاوج بين الماضي والحاضر، والتأكيد على حضور التراث الدائم في كل نواحي الحياة رغم ما فيها من تطور مستمر، ومن هنا تأتي أهمية المدن القديمة لكل بلد فهي قلب نابض يحتوي كل مفردات الماضي الذي نسميه بالجميل ، والذي لا يمكن المرور الآمن إلى المستقبل إلا من خلاله وعن طريق الحفاظ عليه ، وبمناسبة هذا الحديث عن المدن القديمة  تذكرت بنغازي التي إلى جانب ما طالها في عهد سابق  من محاولة لطمس هويتها بإزالة أهم معالمها، فقد طالها أيضا دمار كبير خلال حربها على الإرهاب، فلا تملك إلا أن تشعر بالأسى على فقد جزء مهم من وجدانك وتاريخك.

لنتذكر لحظاتنا الجميلة كي  تكون دافعا يعيننا على المستقبل. فالحنين بحد ذاته حالة لا مفر منها ولا يجب الخجل منها، على ألا يكون ارتباطنا به عائقا أمام تقدمنا، لأن هناك خيط رفيع بين أن نذكر الماضي الذي نراه جميلا وبين من يصرون على العيش قلبا وقالبا في عباءة الأسلاف ولا يستطيعون خلعها ولا الفكاك من تبعاتها الثقيلة ولا يدركون بأن خارجها عالمٌ متقدمٌ ينظر في الغالب إلى الآتي لأن حياته على كوكب الأرض “الذي يدور حول نفسه وحول الشمس ” مرهون بمدى إيمانه بحاضره وتطلعه إلى مستقبلٍ يسعى لأن يكون مشرقا.