in ,

ليبيا “المزاريطة” والصدِّيق “الكبير أوي”

سالم العوكلي
سالم العوكلي

سالم العوكلي 

رغم علاقتي الوطيدة بالنقد الأدبي إلا أن علاقتي بـ (النقد) المصرفي كانت شحيحة وسطحية وفقيرة طوال الوقت، لذلك سيكون حديثي عن المصرف المركزي في ليبيا، وعن ما يدور حوله وفيه وبه من صراع، حديثا عن ظاهرة تتميز إلى حد كبير بالغرابة وبالعبث. ليس العبث بمفهومه المسرحي الفني ، ولكن العبث بمقدرات أمة وبحياة شعب يومية تتلاعب به صراعات ، مهما تباعدت واقتربت ومهما تشدقت بالوطن والوطنية ومهما هرجت ومرجت عن الشرعية أو غير الشرعية، فهي صراعات كلها تنطلق من هذا المصرف  المركزي وتؤدي إليه باعتباره الكنز الكبير الذي أصبح شاغرا بمجرد سقوط صاحبه (النظام السابق) الذي كم استخدمه في آليات تثبيت أركانه وفي التلاعب بقوت الناس ومشاعرهم، وبالتحكم فيهم عبر هذه الخزنة المصوبة إليها عيون ولعاب وجيوب الجميع في مجتمع كل ما يعرفه عن الاقتصاد أنه عثر يوما على صندوق به كنز تحت الأرض، أحال مع الوقت الدولة الليبية من صندوق رمال إلى صندوق ضمان كبير يعطي الهبات لشعب غير منتج تحت بند المرتبات الكافية للعيش والتي سميت في النظرية الجماهيرية “معاشات”.  .

اختٌزِل بيت المال هذا المسمى افتراضيا “المصرف المركزي” في السنوات الأخير في شخص السيد “الصديق الكبير” الذي أصبح اسمه على كل لسان ليبي، لأن القابع في الطابور أو المتعامل بصك مع مستغلي الأزمة من التجار، أو غير القادر على شراء الخبز، أو النائم في العراء أمام المصرف للحصول على سيولة عادة لا تكفيه ثلاث أيام من الحياة المتقشفة، كل هؤلاء يعتبرون أو يعتقدون أن الصديق الكبير هو سبب معاناتهم، غير أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا الاختزال. الصدِّيق الكبير، والناطقون باسمه، يعتبرون أن الانقسام السياسي، وما ترتب عنه من انفلات أمني، وما يتعرض له قطاع النفط ، هي الأسباب وراء كل هذه المعاناة. البعض يعتبر (الكبير) بطلا لأنه يحافظ على العملة الصعبة والاحتياطي الليبي في زمن يستشري فيه الفساد، والبعض يعتبر أن ما يفعله تصفية حساب مع الناس الذين أسقطوا نظاما كان مواليا له، والبعض يعتبر أن تيارا سياسيا نافذا في ليبيا هو الذي يدير المركزي عبر الكبير لِمَا يخدم مصالحه.

لكن ما يحيرني هذا التشبث الأسطوري للكبير بمنصبه على رأس أكبر مؤسسة نقدية في ليبيا، يُختزل فيها الاقتصاد الليبي كله، دون أن يقدم أي حل أو رؤية لمشاكل الليبيين التي مست غذاءهم ودواءهم وكبرياءهم. بل أن بلداً تبقى بلا سيولة لحوالي ثلاثة سنوات كافية لكي يقدم الكبير ومن معه استقالاتهم احتراما للناس وللعمل المصرفي، خصوصا وأن بعض وجهات النظر تقول أن الكبير منذ مجيئه من أمريكا في الثمانينات لم ينجح في الكثير من المناصب التي تقلها عندما كان الولاء هو معيار الكفاءة الأول والأخير.

كثير من الاتهامات الخطيرة، والكثير من الثناء وحتى الجوائز، أحاطت بسيرة الكبير من خلال بيت المال الليبي، قبل وبعد فبراير، ليظل من أكثر الشخصيات المربكة في المشهد الليبي :

فهو اتهم العام 2000 بالتقصير في الحفاظ على المال العام، والكسب غير المشروع والوساطة والمحسوبية بالتغطية على تجاوزات نجل القذافي، الساعدي، وأجهزته والعديد من المستفيدين بنهب ما يزيد عن نصف مليار دينار كانت مخصصة لمدينة بنغازي. ومع اختفاء أبناء القذافي الذين كانوا يسحبون الأموال عنوة وبالتهديد المباشر، حل قادة الميليشيات مكانهم في هذا الدور الذي وصفه السفير البريطاني، بيتر ميليت، في جلسة لمجلس العموم البريطاني، بالتحكم في قرارات المصرف المركزي الذي أصبح، على حد قوله، “يمول الحرب الأهلية في ليبيا من خلال دفع مرتبات الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون”.

من جانب آخر، في أكتوبر 2014 ، يفوز الكبير بجائزة أفضل محافظ مصرف مركزي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للعام،  ويقول المصرف في بيانه أن هذا الاختيار من قبل صندوق النقد الدولي جاء بناء على أن المركزي بقيادة الكبير “حافظ على سوق المال من التضخم ، واستقرار سعر الصرف وتوفير السيولة اللازمة في فترة وجيزة” وهي أسباب مضحكة حتى لطفل ليبي ولد قبل موعده ومازال مربوطا بأجهزة التنفس في حضانة زجاجية . فإما أن صندوق النقد حصل له التباس بين المصرف المركزي في طرابلس والمركزي في أبوظبي، أو التباس بين كبير المركز و “الكبير أوي” في المسلسل المصري الشهير. لكن ما نخبره عن صندوق النقد الدولي أنه لم يقف يوما بجانب الشعوب، لكنه دائما يقدم خططه وجوائزه للسلطات المتحكمة في المال حتى وإن كانت ميليشيات لتحافظ على سلطتها و”استقرار الدولة”.

مثلما تنقل مبارايات المنتخب الليبي لملاعب في دول مجاورة، نقل الكبير عام 2014 مكتبه إلى ملعب مالطا بالقرب من مكتب الصديقة الكبيرة، ديبورا جونز، لينأى عن التجاذبات السياسية وليلعب مرتاحا دون جمهور ، وحين استدعاه البرلمان في طبرق إلى جلسة استجواب سرعان ما أقاله وكلف السيد، علي الحبري، ما شكل بداية لانقسام آخر في إحدى الأجسام السيادية بعد رفض الكبير تخليه عن بيت المال الرئيسي في طرابلس ليبني الحبري (عشة مال)  صغيرة في البيضاء لا ينقصها سوى المال، ولا تحظى باعتراف المجتمع الدولي .

ارتفعت في ليبيا بعد الانقسامات الحادة الكثير من الرايات وبألوان مختلفة، رايات ملونة ورايات سوداء وصفراء وخضراء، لكن أكثر الرايات رعبا هي الراية حمراء التي رفعها الصديق الكبير في نوفمبر 2017 ، حين أعلن أن الوضع المالي الاقتصادي للدولة سيء جدا “لقد تجاوزنا جميع الخطوط ونحن نرفع الراية الحمراء” وفق تعبيره.  وكشف الصديق الكبير عن عجز تراكمي وصل 200% من الناتج القومي.

لكن الكبير، رغم اعترافه بتجاوز كل الخطوط، لم يرفع الراية البيضاء أبدا ويسلم منصبه لأحد غيره بعد أن أعلن فشله التام، وبعد أن بين أن الجائزة التي قدمها له صندوق النقد الدولي مغشوشة بكل المعايير التقليدية وغير التقليدية.

في 19 ديسمبر 2017 انتخب مجلس النواب السيد، محمد عبد السلام الشكري، محافظا لمصرف ليبيا المركزي بأغلبية الأصوات، لكن الكبير ظل متشبثا بكرسيه، بل تمثلت ردة فعله التكتيكية، كما يحلل بعض الخبراء، في إجراءات سريعة جعلت سعر الدولار يهبط أضعافا مضاعفة خلال أسبوع واحد، مؤكداً أن حكاية الدولار والسوق الموازية كانت نتيجة لعبة يديرها المصرف المركزي ويتحكم فيها، مثلما أدارها النظام السابق، نهاية الثمانينات، عندما ارتفع سعر الدولار أكثر من عشرة أضعاف، من 30 قرشا إلى ثلاثة دنانير ونصف، في سوق موازية هي الأولى من نوعها في تاريخ السياسة النقدية الليبية.

الآن يصبح المصرف المركزي بثلاثة رؤوس قابلة للزيادة مثلما كان المجلس الرئاسي، وسبق أن نشرت مقالة في مجلة “لا” في تسعينيات القرن الماضي بعنوان “احذروا الرقم 3” الذي اعتبرته رقم نحس الليبيين.

لقد تكرر اسم الكبير كثيرا وأنا أكتب هذه المقالة، مثلما يتكرر في وسائل الإعلام وفي الشارع، لدرجة تذكرت معها المسلسل المصري “الكبير أوي” وليس باعث المقارنة هو الاسم لأني احترم كل الأسماء، ولكن الفكرة الجوهرية التي بنيت عليها هذه الدراما الكوميدية.

تدور أحداث المسلسل في قرية اسمها “المزاريطة” (وهو اسم يناسب ليبيا حاليا، حيث جذر هذه التسمية قد يذهب باللهجة الليبية إلى معنى أن (تتزرط) في شخص لا تستطيع الخلاص منه، أو تذهب إلى معنى (يزْرط) الذي شاع بعد تفشي الفساد لوصف من لا يشبع من سرقة المال العام. عمدة مزاريطة تزوج من امرأة أمريكية لينجب منها توأمين، عاش أحدهما في الصعيد والثاني في أمريكا، وحين يعود التوأم الأمريكي (جوني) يطالب بتنصيبه عمدة القرية وريثا لوالده لأنه أكبر من شقيقه بدقائق، تحدث خلافات بين الأخوين على وراثة العُمودية خلفا لوالدهما، ويتفقان على إجراء انتخابات، يحاول فيها كل منهما استمالة أهل القرية، يكتسحها في النهاية “جوني” الذي استخدم التهديد بدل الوعيد، والذي سوف لن يرفع الراية البيضاء أبدا رغم كل ما قام به من تلاعب تجاه سكان المزاريطة وما بثه بينهم من مشاحنات وصراعات.

جوني يفتتح مركزاً للألعاب والانترنت في قرية المزاريطة، وأهالي القرية يتركون أعمالهم ويقبلون على استخدام الانترنت والألعاب الإلكترونية فتزداد المشاحنات والمشاجرات بينهم بسبب الألعاب الحربية والمنافسات فيها .

يفتش جوني في مقتنيات والده “الكبير أوي” فيعثر على صندوق مغلق منقوش عليه كلمات بحروف غريبة، فيتوقع الشقيقان أن يكون به كنز ويتسابقان على فك شفرته، فيستعين جوني بتقني مختص في فك الشفرات، بينما يستخدم شقيقه المشعوذين، وحين يتمكنان من فتح الصندوق يكتشفان أنه خال تماما من أي شيء.

أخاف أن يكون هذا الصندوق الفارغ هو مصير مصرفنا المركزي بعد هذا الصراع الدموي حول فك شفرته.