in ,

عفريتة السلفية

 فرج عبدالسلام
 فرج عبدالسلام

فرج عبدالسلام

من سُننِ الحياة منذ أن وُجدت الأرض ومن عليها، أن كلّ ما فيها يسيرُ في نسق تصاعدي، ويتنصّلُ من الماضي إلا من قبيل التذكّر وربما أخذ العبر والاسترشاد بها من أجل تطوّر الإنسان وسعادته في الحياة. والتاريخُ يُخبرنا أنّ الأمم التي رهنت نفسها للماضي وصارت أسيرة أحكامه وثقافته ظلت تراوح في مكانها، وفاتها ركبُ الحضارة الإنسانية، بل وغاب عنها الفكرُ الرشيد فصار بعضها أسيرا للنزاعات بمختلف أشكالها فيما بين مواطنيها ومع العالم الخارجي.. وتاريخُنا الراهن يخبرنا أنه بمجرد إلقاء نظرةٍ على أمّة المسلمين التي ننتمي إليها، سيتجلى لنا المأزقُ التاريخي الذي وجدنا أنفسنا فيه، دون بارقة أمل لفكاكٍ يعيدنا إلى رشدنا وللتعامل مع العالم الذي نعيش فيه بعقلية الألفية الثالثة من تاريخ المسيرة الإنسانية، بدلا من الإصرار على العيش جملة وتفصيلا في ماضٍ تجاوزه التطوّر وسعيُ بني البشر إلى حياة أفضل. مع التأكيد أن هذا لا يعني التخلي عن الدين والقيم الروحية التي ترتقي بالإنسان…

في بلدنا المنكوب بعقول أبنائه وقلة حيلتهم، لا تأتي المصائب فرادى، وكأنه لم يكف هذا الشعب أن اكتوى بنار استعمار غاشم جثم على الليبيين فقتّلهم وأفقرهم، وبعد رحيل الغمّة لم نكد ننعم بسنين قليلة من الأمان وسيرٍ حثيث نحو النموّ والتطوّر، حتى فاجأنا انقلابٌ غشيم، لنكتوي من جديد بلهيب استبدادٍ أرعن لم ير التاريخ المعاصر مثيلا له من قبل، دام أكثر من أربعة عقود عجاف، فترك أثره المدمر الذي نراه الآن من خلال نزاع أجوف لا معنى له سوى الخبلِ الذي نمّاه المستبد في عقولنا، فأنتج تشرذما واقتتالا بين الإخوة وصراعا على من يستفيد أكثر بالسلطة ونهب المال العام…

أثناء صراعِ الإخوة على السلطة ونهب المال حلّ بوطننا إرهابُ داعش الظلامي فخرّب وقتل واستدعى مرضى النفوس من أنحاء العالم ليقيم دولة الظلام المزعومة في وطننا، وما لبث أن اندحر بفضل عزيمة وتضحيات المخلصين الذين كفونا المزيد من تطيير الرؤوس وتقطيع الأوصال.. ولم يكد الليبيون المنكوبون يلتقطون أنفاسهم بعد عامي الرعب والدمار حتى خرج عليهم “غولٌ” يعيش في الأيام الخالية ويتمسح برداء السلفية.. رغبة منه في السيطرة على مقدرات الليبيين وعقولهم وأفئدتهم تأسّياً بتيارٍ معروف ينشط في منطقة الخليج وينشرُ تعاليمه في أي مكان يرى فيه أرضا خصبة وعقولا مفتوحة لزرع مفاهيمه التي لا تتسق مع الحياة والتطوّر العلمي المثبت، من قبيل إنكار علومٍ توصلت إليها البشرية بشق الأنفس منذ قرون وأصبح مجرد النقاش حول صحتها يعدّ من ضروب الملهاة والكوميديا السوداء.

حادثةُ الاحتفال بيوم الأرض كانت فرصة يستعرض فيها “الغول” عضلاته فهاجم واعتقل وأساء لمن شاء بحجة المحافظة على الدين والأخلاق، وكالعادة لم يلق معارضة تذكر.. فكانت هجمته الأخيرة على المبدع الشاب “وسيم عادل” وخرج كبيرُهم ليكيل له التّهم المقولبة،  مثلما خرج بعد حادثة يوم الأرض يُرشد الليبيين إلى أمور دينهم ودنياهم دون أن يجرؤ أحد بالرد عليه، فالرجل لديه سطوة ولديه “قوة السلاح” التي تتفوق على أي حق أو منطق.. لكن ما يبعث على الشفقة وأسوأ ما في خطاب “كبيرهم” البائس الأخير أنه وصف المطرب الشاب بالفلسطيني بمعنى كأن نقول في أدبياتنا “عقاب فلسطيني” وكأنه لو لم يكن “وسيم عادل” فلسطينيا فيمكن أن يُغفر له ما ارتكب من ذنب في حق الدين والشرف والتقاليد، وكأنّ مثل هذا الخطاب العنصري ليس مخالفا لما يدّعون أن المساواة بين الناس من المبادئ الأساسية للدين الذي يدّعون حمل لوائه والذوذِ عنه. رغم افتراض كون “وسم عادل” فلسطينيا لا ينقص من قيمته الفنية ولا الإنسانية، بل إنّ فلسطينيته كانت ستمنحه شرفا بانتمائه إلى شعب الجبّارين، الذي توانى الغول ومن على شاكلته في تقديم العون له وجعلوا همّهم في قهر الحياة كما أريدَ لها أن تكون .. ومع ذلك تُثبت الأوراق أن المطرب الرائع الشاب ليس فلسطينيا، ومادمنا دخلنا دوامة التنابز بالأصول فربما تكون أصوله الليبية أكثرُ رسوخا من كبيرهم نفسه.. ولستُ أدرى ماذا سيقول بعد هذه الحقيقة، وبعد تعيير الناس بأصولهم وانتمائهم الجغرافي ما يخالف العقيدة الإسلامية التي تربى الليبيون على سماحتها واعتدالها..

أما آن لهذه الأمة أن تنتزع عقلها من بين ساقيها انتزاعا، وتضعه في مكانه الصحيح المخصص له، لتستحق الحياة بين الأمم؟