in ,

انعدام الحماية والتحالف الموضوعي

عمر أبو القاسم الككلي

عمر أبو القاسم الككلي

كان أبي قاسيا وخشن المشاعر، ولم تكن أمي تختلف عنه كثيرا. أنجبت أمي اثني عشر طفلا، بين ذكور وإناث، مات لها ثمانية. كانت تقول:

كلهم ماتوا صغار. عاشوا شهور بس. ما وجعتنيش غير تركية. كان عمرها عامين. تجري وتتكلم. ربيت عليها كبد.

أخطأ الموت ثلاثة ذكور وأنثى. ترتيبي الحادي عشر، في الإنجاب والثالث في الأحياء.

كان ثمة فجوات بين أخي الأكبر، الذي لم يكن بكر أمي، وأخي الأوسط، وبين هذا وبيني. لكن أختي كانت تليني مباشرة وكانت آخر المواليد.

منذ البداية وجدت نفسي في مناخ من القسوة. كان أخي الأكبر محايدا. لكن أخي الأوسط كان يتأرجح بين القسوة واللين.

كان أخي الأوسط هذا يحظى بحب أمي وعطفها، لذا كانت قسوة أبي عليه، عموما، خفيفة. أما أنا فلم أكن أحظى بأية حماية.

بعد أن دخلت المدرسة وتنامت نزعة التمرد لديَّ كنت أجد في أخي الأوسط حليفا ضمنيا (موضوعيا). أما هو فلم يكن يرى فيَّ حليفا. فهو كان شخصية مستقلة وكان من النوع العصامي، إذ كان، منذ المرحلة الإعدادية وحتى أنهى الجامعة، يدرس صباحا ويشتغل مساء، وكان، في فترة ما،منضما أيضا إلى فرقة مسرحية، كما كان قارئا. لذا كان مثالا يحتذى بالنسبة إليَّ (ليس في العصامية طبعا، ولكن في الاستقلالية والقراءة!.).

يبدو أنه كان العامل الأكثر حسما في توجهي إلى القراءة، رغم أنه لم يكن يشجعني على ذلك. لكنه كان مواضبا على شراء مجلة العربي والمجلات الليبية الموجودة حينها (أواسط الستينيات) كما كان مشتركا في المركز الثقافي المصري ويستعير منه الكتب، وكنت كثيرا ما أراه مستغرقا في القراءة.

لذا كان مثالي الذي كنت أقتدي به في هذا الجانب، ولحسن حظي كنت متفوقا في المدرسة، وهذا حببني في القراءة وجعلها أمرا سهلا ومسليا بالنسبة إليَّ.

كنت أتسلل إلى كتب أخي ومجلاته في غيبته وأقرأ ما أتمكن منه ونجحت كثيرا في إخفاء ما يدل على هذا التسلل عنه، لأنه كان يعتبر كتبه ومجلاته من الخصوصيات ويغضب من انتهاك هذه الخصوصية ويعاقبني على هذا الانتهاك، لو اكتشف، بالضرب.

لكنني كنت أجازف. وكتلميذ في الصف الثالث والرابع الابتدائي كان ما يشدني الشعر ثم القصة. كنت أقرأ القصائد أو الأبيات التي يستشهد بها في الدراسات (ولا أقرأ الدراسات، طبعا)، والقصص. وأعتبر نفسي محظوظا لأنني تعرفت، من خلال المجلات الليبية، إلى القصة الليبية في وقت مبكر. لأنني اكتشفت، منذ المرحلة الثانوية تقريبا، أن القصة الليبية، رغم تأخرها في الظهور، كانت متقدمة على مستوى الوطن العربي.

في السنة الخامسة ابتدائية انتبه مدرس اللغة العربية، الأستاذ يوسف الكرداسي، إلى تفوقي وتميزي في مواضيع الإنشاء، فأعارني رواية يوسف السباعي “أرض النفاق”. ثم عرفني على أمين مكتبة “نادي رأس حسن الرياضي الثقافي” الذي كان قريبا من منطقة سكني وكان هو نفسه عضوا فيه، وأوصاه أن يسمح لي باستعارة الكتب.

في المرحلة الإعدادية صار بإمكاني الذهاب إلى وسط المدينة وشراء ما أقدر عليه من كتب ومجلات، وكذلك اقتديت بأخي سالم فاشتركت في المركز الثقافي المصري وأصبحت أستعير منه الكتب وقرأت بعض الروايات التي كنت أتذكر أنه كان يقرأها، كما انضممت إلى فرقة مسرحية.