in ,

دواوير سمح النزالي

المبروك الصغير

المبروك الصغير

عندما أكون بعيداً عن الوطن, فإن أخباره لا تنقطع ، نصاً كانت الأخبار بقراءتها ، أو صوراً بمشاهدتها ، أو صوتاً بوصف الأهل والأصدقاء ، ويبقى البعد فاقداً لأهم عنصر وهو الملامسة الحقيقيه والمعايشة اللصيقة للتفاصيل .

يبقى القلب ينبض في محاكاة إيقاعية لنبض الزمن الذي ترصده عقارب الساعة بالدقائق والثوان والمسافر في انتظار الصعود للطائرة المتوجهة الى طرابلس ، وبعد وقت ليس بالطويل ، يدخلك السحاب الذي يلامس جسم الطائرة أحياناً ، فارضاً لمشاهد مرتبطة بالذكريات ، والمآلات ، والتوقعات ، ليمتزج الحنين للأرض بمن عليها من أهل وأصدقاء ، ويشعرك المحيط بالألفة فأغلب الركاب ليبيون ، وتبدأ بالإحساس بأنك وصلت ، لأن الجميع يشكلون نموذجاً لما عليه الأرض المقصودة .

تحط الطائرة ، وتنتزعك تفاصيل الإجراءات ، لكن الحس الصحفي يبقى طاغياً ليخرجك من التفاعل الطبيعي مع التفاصيل إلى حالة من الرصد ، وسرعان ما يدخل المرء في دائرة السلام والأحضان والتمعن في الوجه ، للتحقق بأن لا شيء قد تغير في الملامح ، فالأخبار تنبي بما يجعل الإنسان متوقعاً لتبدل كل شيء ، بما فيها الملامح .

طرابلس تبدو وكأنها في حالة صراع لشيء لا يبدو واضح المعالم ، لكن آثاره صارخة بعنف في تفاصيل الحياة ، هذه التفاصيل بقدر ما هي مثيرة للحزن ، لكنها تطوي في جوهرها نوعا من المجابهة لمقارعة تصاريف الزمن .

الأحاديث مع الأصدقاء لابد وأنها ستكون نشرة أخبار بصياغة ما ، لتتحدث عن الأزمات الخانقة التي تجابه السواد الأعظم من الشعب ، فالسيولة سلاح أُستهدف به خلق المعاناة ، وغلاء الأسعار ملحوظ في كل المواد والبضائع ، والأشنع ليس تلك المواد المتعلة بالغذاء ، بقدر ما هي صادمة عندما تطال الأدوية التي تحتاجها الأجسام المنهكة ، ليتحد المرض مع الغلاء ضد الإنسان الليبي .

المرض أصبح نذير شؤم كما الموت ، فالتفكير في العيادات و المستشفيات ، يرغم المريض وأهله على سرعة التفكير في مخرجات ، ولابد من التفكير في البدائل أيضاً .

الإزدحام الملحوظ في الشوارع ، يفرض سؤالاً عن تعداد سكان العاصمة ، لكن سرعان ما تأتيك الإجابة بأن العاصمة أصبحت حاضنة لأعداد هائلة من المهجرين ، الذين اختار بعضهم إعادة تثبيت أنفسهم كمتساكنين جدد ، تاركين مدنهم الأصلية ، ومع تباطؤ سير المركبات ، يمكن اكتشاف أن هذا التباطؤ ليس مرده لعدد السيارات ، بل لأن مصرفاً يقع في الطريق ، والازدحام عليه قد ضيق الخناق في الطريق ، وتبدو زرافات من الشعب وهي واقفة منتظرة ، لكن الأكثر إيلاماً تلك الفئة من كبار السن والنسوة ، الذين قذفت بهم الحاجة إلى أخذ أماكنهم على أمل أن يتحصلوا على بضعة دنانير ، لا تكاد تحل لهم أي مشكلة..

يمكن أن نلاحظ بأن طرابلس لا تستكين ، فحيوية الحركة ، وكثرة المقاهي ، ينبيان بأن معركة بأسلحة أنعم من الناعمة تجري على الأرض ، فالانكسار الذي تربع في نفوس الكثيرين، توازن مع إصرار على مجابهة التحديات ، مع التطلع والتأكد بأن لا حال يدوم، ولا ظالم سينجو بفعلته.

هذا الصمود قد يخفف من أثر المعاناة ، ويبعد كثيرا من وساوس ازدياد التردي.