in ,

حربٌ على النخبة

فرج عبدالسلام

فرج عبدالسلام

انفضّ السامر وأغلق معرض عمان للكتاب أبوابه لهذا العام، ليتكرر خلاله ما حدث في العام الفائت، وما يحدث في كل معارض الكتب في بلاد العرب، من غلاء أسعار الكتاب وعدم وجود تناسب بينها وبين متوسط دخول الأفراد، فتجد الغالبية ينظرون إليها وكأنهم في حديقة حيوان حيث يمكنك الفرجة ولا تستطيع اللمس! ولتتعزز بذلك المقولة السائدة بأن “العرب لا يقرأون” . وإن توجّب هنا ملاحظة ازدحام دور النشر التي تعرض كتب التراث مجاورة لكتب الخرافات مثل السحر والشعوذة وما إلى ذلك من ملهيات يراها العربُ أساسا للمعرفة، والثاني هو كثرة عدد دور النشر السورية وتنوع معروضاتها برغم الحرب والدمار، إلا أن دمشق لم تتخل عن ريادتها الثقافية ولم يفلح الإرهاب في كسر إرادة الثقافة مهما “فرعن”

بالنسبة لي فالحدث الأبرز كان المحاضرة / الندوة التي ألقاها المفكر والفيلسوف اللبناني “على حرب”. هذا المثقف الذي وُصف بأنه يحمل شجاعة فكرية نادرة، ولم يتوان عن توظيف قلمه وفكره لانتقاد من يتجاوزون سلطاتهم ـ وما أكثرهم عند بني العرب ـ لتسخير الواقع لصالحهم.

أصدر ’على حرب‘ العديد من الكتب التي دأبت على إثارة الجدل في الوسط الثقافي، وانشغل كثيرا بما أطلق عليه ’تفكيك المسكوت عنه في أنساق التفكير في الثقافة العربية‘؛ فهو يقيّمُ المفكر بمدى قدرته على تفكيك الأفكار وإيجاد نسقٍ معيّن لمفاهيمها، يسمح لها بتجاوز الأوهام والانخراط في علاقاتٍ بناءة مع المحيط. ولأنه متوائم مع فكرته في إيجاد نسقٍ لمفاهيمه، فقد اشتهر عنه مثلا أنه كتب بعد فوز “حزب الحرية والعدالة” بالانتخابات في مصر، أن (الإخوان سوف يفشلون ويشهدون على عجزهم وجهلهم وادعائهم، فهم ليست لديهم عقول مستقبلية، ولا يملكون رؤى حيةً واستراتيجيات فعالة لإدارة بلد ووضع المخططات اللازمة للنهوض به،) ولعل كثيرين خالفوه آنذاك، وقد غرّهم المظهر الديموقراطي الذي حاول الإخوان إشاعته حولهم، لكن الأيام أثبتت صحة أقوال حرب، ليس في مصر وحدها وإنما في بلدان أخرى، أهمها ليبيا، التي نُكبت بتسلطهم ولاتزال. وفي هذا يؤكد حرب “أنّ الاخوان نالوا فرصتهم التي انتظروها طويلا، ولكنهم تعاملوا معها بعقلية الفتح والغزو، للاستيلاء على الدولة والتحكم بمقدرات البلاد والعباد، لا بوصفها إمكاناً للبناء والإنماء. ولذا كان من الطبيعي أن يخفقوا ويلقى مشروعهم مصيره البائس.” وبناءً على هذا المنطق يصل “حرب” إلى استنتاج مفاده سقوط المشروع السياسي للإخوان وتصدع أساهم العقائدي القائم على مقولة ’الإسلام هو الحل‘

بالعودة إلى محاضرة ’حرب‘ في المعرض وعنوانها “كيف يُصنع العالم” التي تطرق خلالها إلى المشهد الجيوسياسي الراهن، ووضعُ العربِ فيه، لأن العالم أصبح اليوم أكثر اضطرابا وتأزما، والعالمُ العربي يزداد تفككا بسبب أزمات كثيرة من السياسية، إلى الأوضاع المعيشية، إلى تفشي الإرهاب الذي يستند إلى نصوص وتفسيرات منذ ما قبل العصور الوسطى، ومن خلال هذا التحليل طال المثقفون الكثير من اللوم باعتبارهم الطليعة وأول من يصطدمون بالأحداث العامة.

ليست حربُ حربٍ على المثقفين جديدة ، فهو لم يعد يراهم كنخبةٍ، ولا أنّ مجتمع المثقفين هو مجتمع الفضيلة،  ويتهمُ أغلبهم بالجهل بأدواتهم ومآلات أفكارهم، وبالمجتمع الذي يريدون تغييره، وأنهم في الغالب يمارسون ما وصفها باستراتيجية الإخصاء تجاه زملائهم. ومن أجل ذلك ينصحهم بتغيير نظرتهم إلى العالم لا تغليب فكرة النضال على الإمكانية الفعلية لتحقق الفكرة.

ما يطرحه ’على حرب‘ من أفكار جريئة وغير نمطية، تضمنته مقالاته وكتبه العديدة التي حاول فيها طرح فلسفته الواقعية، كما يراها، وتحريك بركة الثقافة الراكدة لصالح المجتمع والإنسانية.