in ,

الأيديولوجية الأخيرة

مجاهد البوسيفي

مجاهد البوسيفي

في الشكل والكثير من الجوهر ، تشبه عقيدة داعش ما سبقها من “الأنظمة الثورية ” بمختلف أنواعها من شيوعيين وقوميين ووطنيين، فالجميع ـ داعش أيضا ـ يعتمد المبدأ نفسه : ما من أحد عداي على حق.

فداعش تتفق مع “الثوريين” في النقطتين الحاسمتين لسيادة ذلك المبدأ وهما: (١) الاستيلاء على السلطة، (٢) منع ـ بالقوة القاهرة ـ أي فكرة أخرى من التجول.

وبهذا المعنى يكون داعش ليس نبتة سلفية ( وتاليا الإسلام السياسي عامة ) فقط، كما قال رجل دين نافذ وعلى شيء من الاختلاف مثل إمام الحرمين السابق عادل الكلباني ، لكنه في الحقيقة أيضا ابن وفي لطريق السلف الثوري الذي وفر له الجو المثالي لينمو ويتسلق الجدران الرهيبة التي بنتها الدكتاتورية الثورية لتعزل شعبها عن مسار التاريخ .. فهو النبتة المثالية لتلك السنين من الجهل والعنف والخلخلة، نفس الصفات التي حملها داعش معه في جيناته منذ الطفولة، جسم مرعوب من طريقة حياة العالم ومثال يذكرنا بخيبة تجربتنا مع الأنظمة الثورية التي انتهت في مكان آخر تماما، قاسٍ وبعيد عن المكان الموعود، سقوط مدوٍ للشعارات حيث : لا وحدة ولا تحرير ولا تقدم .. تجربة مرة النتيجة مهما غيرنا من ترتيب الكلمات الثلاثة.

بعد تخرجه من مدارس ومجتمع وعصر الأنظمة الثورية تلفت البغدادي يمينا ويسارا وأعلن أنه قد جمع أسباب القوة وأن دوره في الحكم قد حان. وعندما استولى على السلطة قرر أن يجرجرها وراءه إلى أواخر العصر العباسي ، وهو واضح في كلامه ، إذ لم يخف أبدا أن النقلة القادمة يجب أن تكون إلى العام الهجري الأول حيث النموذج المثالي كما يرى ، إذ لم يكتف بعزل شعبه كما فعلت الأنظمة التي سبقته ، بل اختار أن ينفيه تماما عن الزمن الحاضر ، بشكل عملي ، في الملبس والكلام والتفكير والسياسة حسب قانون الوليد بن عبد الملك في أول خطبة خلافة له : والله لو قال لي أحدكم اتق الله لضربت الذي فيه عيناه.. أي لقطعت رأسه

وهو ـ مثل الأنظمة الثورية تماما ـ لا يريد أن يذهب وحده مع أنصاره إلى تلك الأيام . إنه يريدنا نحن أيضا معه في رحلة قافلة التيه، تلك التي يقودها نحو مجاهل الماضي.

امتلك داعش كل ما امتلكه سابقوه من الأيديولوجية والطموح والعدة والناس وتميز عنهم بالإفراط الشديد في العنف والتفنن في القتل. لكنه مع هذا التميز لن يكتب له أن يعيش مثلهم لأنه بالغ في التخلف إلى حد لا يمكن احتماله، حتى بالنسبة للعرب والمسلمين الذين جربوا كل شيء ، لقد جاء إلى حفل تسلم السلطة الدموي متأخرا بعض الشيء.

هذا حظ عربي نادر ، كان الجسد العربي مليئا حتى آخره بالتجارب والأيديولوجيات ، وفي هذه التخمة بالكاد وجد داعش وقتا قصيرا من الزمن ليجرب ما في معمله من أدوات . قبل أن يستدير عليه الجميع بما في ذلك مرضعته الإسلام السياسي.

جاء في ذروة اشتعال فرن التغييرات في منطقة العرب وشركائهم من الأمازيغ والأكراد والقبط والأرمن وغيرهم . وعندما صعد منبر التاريخ ليستولى على السلطة، وجد نفسه فوق قمة البركان. وهي مهمة فوق طاقته مهما كانت، فالواقع فوضى بأكثر مما يحتمل، ذلك أن الجميع موجودون ـ في نفس الوقت ـ في ذاك الفرن الذي يعكف التاريخ داخله على إخراج النظام الجديد، وهو نظام مهما كان شكله وجوهره، سيكون معبرا عن مرحلة ما بعد النظام الثوري والإسلام السياسي، ما بعد عبدالناصر وفيصل وصدام والقذافي، وربما بورقيبة نفسه، وأيضا ما بعد حسن البنا وسيد قطب والشيخ ابن باز والظواهري وبن لادن والزرقاوي وبعد أبو بكر البغدادي وتنظيمه بطبيعة الحال.

في ظروف مشابهة، أمم أخرى دخلت العصر ، ومن يدري ما سيحدث معنا ، فنحن غير قابلين للخسارة أكثر بعد كل ماحدث، وسواء نجح هذا الربيع في البدء بتكوين نظامه في المناطق التي تحقق فيها التغيير الأساسي الآن، أو قرر أن ينتظر جزءه الثاني الذي ولابد سوف يتوسع وربما حتى يزداد شراسة وفوضى نتيجة عدم القدرة على إحداث تغيير حقيقي من فوق، فلا تنازلات تذكر في هذا الشأن، وليس هناك أي سبب لعدم تكرار ما حدث في الموجة الأولى التي أطاحت برؤوس أنظمة كان من غير المتخيل أن تزول بهذه الطريقة وتلك السرعة الخاطفة.. سواء واصل جزء الربيع العربي المتحقق بناء نظامه من داخل الفرن أو انتظر نصفه الثاني ليلتحق، فإن رحلة الآلام الطويلة هذه قد تنتهي بعد جيل أو جيلين على الأكثر بالرسو في العصر، لتبدأ بعدئذ عملية كبيرة للبناء وترسيخ الحريات والتسامح وتوقير العلم الذي يدفع نحو الإبداع والتفكير الحر وتقبل الآخرين … بالنسبة لجيلي ومن يعاصره،كانت هذه المرحلة التاريخية ولم تزل متعبة، حرمتنا من الحياة الطبيعية ونثرتنا في كل واد، سلوتنا الوحيدة أننا كنا شهودا لمرحلة تغير فيها العالم تقريبا بكامله، حتى وصلنا الدور .. يراقب كلٌ منا من واديه، هذا السيل التاريخي الكبير على أمل أن يكون ما قرأناه في كتب التاريخ صحيحا.

شواهد كثيرة تقول إن داعش هو آخر أيديولوجية في جراب المنطقة … ولو تحقق ذلك، تكون دماء الشهداء – فعلا – لم تذهب سدى.