in ,

الجديد في مهمة سلامة

سالم العوكلي

سالم العوكلي

الجديد في مهمة سلامة أنه جاء هذه المرة ومعه خارطة الألغام للأرض التي يعمل فوقها، ألغام سياسية وألغام اجتماعية، وألغام دولية وإقليمية.
يمشي ببطء وهدوء محاولا أن لا يضع قدمه على أي لغم منها، وهذا ما يجعل مهمته آمنة حتى الآن وتتقدم ، ورغم ذلك فقد داس على أحد الألغام المتمثل في تصريحه بشأن “سيف الإسلام” ، ليس لأنه ابن القذافي أو محسوب على النظام السابق، ولكن لأنه مطلوب في المحكمة الجنائية، ومنطقيا لن يكون له دور كمواطن ليبي إلا بعد حصوله على البراءة من التهم الخطيرة الموجهة له من قبل المحكمة الدولية، أما في حالة إدانته وقضاء مدة محكوميته ورجوعه فستطبق عليه اللوائح القانونية التي تخص ذوي السجل الإجرامي أو السوابق المعمول بها في جميع أنحاء العالم .

غسان سلامة ثاني لبناني يُبعث إلى ليبيا خلال مرحلتها الانتقالية، بعد طارق متري، لكن متري جاء عندما كان اشتعال النار في بدايته، والآن أكلت النار معظم حطبها، وأصبح إطفاؤها أكثر سهولة، لكن دخانها سيجعل الرؤية غير واضحة لفترة، وتفاؤل سلامة آت من حتمية انقشاع هذا الدخان والتعامل بحذر مع ما تبقى من جمر تحت الرماد.

غسان سلامة قارئ ومطلع وعارف بأسرار هذه المنطقة التي خبر دروبها وبحث فيها ودرس. ليس سياسيا فقط لكنه مثقف يتابع كل ما يٌكتب وكل ما يُقال، ويحاول أن يرسم خارطة الطريق وهو على الطريق، وهي مهمة ليست سهلة إلا لمن يعرف مآل هذه الطريق ومنعطفاتها ومطباتها ومخابئ قطاع الطرق فيها.
ليس مبعوثا للأمين العام للجامعة العربية فقط ، لكنه، أيضاً، مبعوث ضمير ثقافي كم أرقه ما في هذه المنطقة من أزمات ومن تخلف ومن صراعات لا هدف لها.
يحاول أن يقيم جسوره بين كل المتناقضات لأن الجسور هي أداة التواصل في أي أرض وعرة، غير أن بناء الجسور ليس سهلا، خصوصا حين يكون المكان محاطا بالمخربين الذين تهدد الجسور أوكارهم ومخابئهم المعزولة. الجسور هنا لا تحتاج إلى مواد صلبة لكن إلى مواد ذروة في المرونة، لأن الثقة هي أساس بناء الجسور السياسية والاجتماعية في مجتمع يعاني من تفكك مؤسساته ومن تصدع بنيانه الاجتماعي ومن استشراء العصبية بين جل أجزائه.

يبدأ غسان مهمته بالتركيز على ترميم الثقة المفقودة والمصالحة، ونقل الحوار من دائرة الخلاف إلى دائرة الاختلاف، وهو يدرك جيدا أنه يسير على أرض مليئة بالألغام، وأن الخارطة في جيبه لا تكفي إذا لم يتعاون معه الجميع في تفكيك هذه الألغام أو تحييدها على الأقل.

تفاءل المندوبون السابقون لكن تفاؤلهم لم يكن نابعا من تفاعلات حقيقية فوق الأرض، وخُدعوا بتصريحات أطراف مدهونة بزبدة الليل التي تذوب مع شروق أول شمس يوم جديد. أطراف لم يكن لها وجود فوق الأرض وإن وجدت بكثافة في عواصم الدنيا وفي قاعات المؤتمرات، وكانت تبحث عن موقع قدم لها في ليبيا الجديدة ولا تبحث في الواقع عن حل يأتي بهذه الليبيا الجديدة، مثل الذي يلوذ بأعلى مكان في سفينة تغرق وكل ما فعله انه أجل غرقه بعض الوقت.
تلك الأطراف الخادعة هي التي سربت التفاؤل للمبعوثين السابقين للدرجة التي جعلت بعضهم يقيم احتفالا مدويا بنهاية الأزمة، بينما الليبيون؛ الذين يعرفون أن اللعبة مختلفة على الأرض، كانوا يزدادون تشاؤما بقدر العناق الاستعراضي على الشاشة بين تلك الأطراف.

لهذا السبب كان كل حل هو بداية استفحال جديد للأزمة، وحتى حكومة الوفاق التي احتفل بها في فندق خمس نجوم خارج ليبيا كانت بذرة أخرى لمزيد من الصراع ومن الانقسام ومن الاستقطاب. لأنها حكومة نفاق مارسه الساعون إلى الغنيمة وخدعوا بها المجتمع الدولي، ولم تكن حكومة وفاق بأي معنى من المعاني.
ورغم ذلك لم يرغب سلامة في ممارسة الهواية العربية المتمثلة في البداية من الصفر، لكنه راجع كل جهد المبعوثين السابقين ، ومشى بانتباه في الطريق السابق ليعرف أين تُهنا بالضبط، وأين فقدنا البوصلة، وأين افترقت أثار الأقدام ليمضي كل في طريق.

نسبة كبيرة من الليبيين، رغم الشكوك، رحبت بما سمي حكومة الوفاق. فالغريق في البحر يتعلق بقشة، والتائه في الصحراء يبتسم للسراب، لكن هذا الترحيب يشي برغبة الشعب المضمرة في أي نوع من الوفاق، تلك الرغبة التي لم يستطع الشعب التعبير عنها بعد أن احتُكِرت وسائل الإعلام من قبل الأطراف المتصارعة، وبعد أن مُنع التظاهر إلا إذا كان لنصرة أحد الأطراف، وبعد أن أصبحت الميادين ساحة للسلاح والدبابات والمدافع. لم يستطع أحد معرفة ماذا يريد الليبيون لأن صخب القلة المستفيدة من الأزمة غطى على همس الكثرة التي تريد حلا، ولم يكن سهلا معرفة ما يريدونه إلا عبر استبشارهم الخجول بكل تقارب أو مصالحة أو توحيد للمؤسسات ومن ثم استبشارهم بخارطة سلامة للطريق . فهم يعانون الأمرين في حياة يومية، وجلهم لا يملك قوت يومه ، لكن في الوقت نفسه يريدون أن يكون لهذه المعاناة ولهذا الصبر ثمنا جديرا به، يريدون لحلمهم بدولتهم المدنية أن لا تقتله الظروف السيئة، أو العازة، أو ذريعة الحرب على الإرهاب، أو مقايضة كل أحلامهم بتوفير الأمن، وهي المقايضة التي بنيت فوقها أعتى النظم الدكتاتورية، وحولت الشعوب إلى قطعان تشكر وتحمد من يوفر لها الغذاء والأمن كأي قطيع، وحولت الأوطان إلى حظائر مسيجة بالأسلاك الشائكة ، وحولت الطغاة إلى رعاة لهذه القطعان التي لا تفتأ تخبرها أن الذئاب خلف هذه الأسلاك الشائكة، وإن الحرية خطر عليها لأنها ستضعها بين أنياب الوحوش.

يريد الليبيون رغيف خبز دون زحام، ويريدون نوما دون خوف أو قلق ، ويريدون كهرباء لا تخذلهم، ووقودا وسيولة في جيوبهم، وغيرها من متطلبات الحياة اليومية ، لكن يريدون أيضا الأهداف التي ثاروا من أجلها ودفعوا الضحايا في سبيلها، الدولة المدنية وتداول السلطة وفصل السلطات وحرية التعبير وغيرها من تلك الأهداف التي كتبوها على الجدران وتغنوا بها في وجه طاغية لا يرحم.

والأهم من ذلك يريدون دستورا لم تكتبه أجندات الأطراف المتصارعة، وغسان سلامة يعرف أن الدستور الذي تكتبه أطراف في ذروة صراعها، ويُكتب لشعب حياته تحت الحضيض لن يكون ملبيا لأي هدف من أهداف الدستور، وحين يستفتى حوله شعب يغرق فسيقول (نعم) وهو مغمض العيون لأنه لا يرى فيه سوى قشة مُدت لغريق ، وقد نتعلق نحن الغرقى بقشة، لكن ما ذنب الأجيال القادمة حتى تحكمها هذه القشة التي دبجت في زمن الغرق. وهذه معضلة تريد حلا لأن هذا الدستور المقترح (إفريزر) يحتفظ بكل بذور الصراع والنزاع داخله، وستعود الصراعات الدموية هذه المرة تحت مظلة دستور كتب في قلب بحيرة من الدم والضغائن.

لقد ساعدنا المجتمع الدولي بقوة من أجل الخلاص من كابوس النظام السابق، ولا مفر لهذا المجتمع الدولي الممثل في بعثته من أن يساعدنا من أجل بناء الحلم، لأن الكابوس حتى وأن هدم سيكون ركامه مكانا صالحا لتكاثر الأشباح إذا لم يُبنَ مكانه الحلم، ذلك الحلم الذي ملأ يوما ميادين المدن الليبية بالرجال والنساء والأطفال وهم يغنون معا أغنية الحرية.

المجتمع الدولي ممثل ببعثته، الممثلة الآن بالمثقف العربي، غسان سلامة، يدرك تاريخ وسيرة هذا الحلم، ويدرك أن لا بشر فوق الأرض تحت مستوى ما أنجزته البشرية من تقدم في الديمقراطية والتنمية والحقوق، وهو يدرك أن ما يروج له بعض المشعوذين ــ بكون شعوبنا ليست في مستوى الديمقراطية، أو أنها مازالت تحتاج إلى العسف أو الزعامة ــ يدرك أنها مجرد خزعبلات قوى ترى في كل هذه القيم تهديدا لمصالحها التي تشبه مصالح اللصوص التي لا تزدهر إلا في الظلام وفي غياب دولة القانون، أو في ظلال نظام قمعي يجعل من اللصوص حراسه المقربين.

لقد اثبت الليبيون حتى انتخابات 7/7/2012 أنهم جديرون بكل هذه القيم، وإنهم قادرون على أن ينتظموا في صفوف طويلة من أجل اختيار ممثليهم، وإن أخفقوا في الاختيار مرة فلا يعني هذا أن المبدأ كان خاطئا، ولعل ما ترتكبه الآن مجتمعات لها باع طويل في الديمقراطية من اختيار خاطئ لممثليها أو رؤسائها يثبت أن الأخطاء تحدث، لكن حين تحدث على طريق الديمقراطية تسهل معالجتها بالآلية نفسها، لكن حين يحيدك الخطأ عن الطريق فليس أمامك طريق سوى العودة إلى الحظيرة التي توفر لك الأمن والغذاء دون أن تمنع اختيار أي رقبة من داخل السياج لأجل ذبحها بشكل شرعي وقانوني حين يكون القانون شريعة الراعي الوحيد.

ليبيا عضو في هذه المنظمة ولديها دَين في عنق المجتمع الدولي، وإن من يعتبرون تدخل هذه المنظمة في الأزمة الليبية نوعا من الوصاية هم الألغام وهم المستفيدون من هذه الأزمة، لذلك لن تكون مهمة البعثة الخروج من الأزمة فقط، لكنها ستكون طويلة وشاقة، لأن نجاحها مرتبط بتوطيد المسار الديمقراطي الذي اختاره الليبيون، وبتمكين الدولة المدنية كي تقوم بمهمتها في إرساء دولة القانون والحقوق وتدوير تروس الاقتصاد والتنمية، مع العمل الجاد على إيقاف كل المعرقلين عند حدهم ولو بتفعيل الباب السابع المتعلق بحماية المدنيين من كل ما يهدد حياتهم ومستقبلهم.