in ,

“الهلالي” الذي غنى في يده الرصاص

مروان العياصرة
مروان العياصرة

مروان العياصرة

الهلالي الذي كان يحب ليبيا كلها..
منذ ستة وثمانين عاما رحل، وما زال أثر الحب في البلاد عرضا وطولا وبرّاً وبحرا.. وزيتوناً ونخلا، ورجلاً وشيخاً وطفلا، فثمة أحفاد له ما زالوا تنمو في قبضاتهم البنادق وعلى خصورهم غنى الرصاص..
الشيخ الذي طعن الموت في خاصرته كلما ناوأه على صهوة فرس نبيل لا يجفل ولا يخاف ولا يذوب صهيله في غبار الحرب..
هذا عمر المختار..
فأن تقول هذا الاسم دون أن تهتزَّ عيناك بالحنين، أو أن تمتلئ رئتيك بهواء فخم، تسلل إليك من مكان بعيد ومن أيام بعيدة، وحرب بعيدة، ومقاتلين بعيدين لكنهم يتوالدون مثل شجر الجبل.. أن تقول اسمه دون أن تردد بكثير من الفخر والكبرياء “نحن شعب لا ينهزم.. ننتصر أو نموت”.. تلك إذن حكاية أخرى.
في بيت هنا على أطراف بنغازي، قدم دماً عزيزا، وهناك في سرت قدم بيت آخر حزناً كبيرا بحجم شهيدين، وهناك في طرابلس.. بيت طوى شغاف قلب أم وأب وصغار على غياب أسير، بيوت كثيرة قاومت وتسلل إليها الموت.. الموت القديم نفسه، والدم الليبي نفسه، والأرض والناس والبيوت وتحت سماء واحدة تحت قبتها جرت حروب وقامت معارك وحدثت انتصارات لا تنسى في الورق، ولا تذبل في الذاكرة..
عمر المختار، الشهيد الذي ما زال يقاتل، يده في يد الجند، وصوته في صوتهم، وعيناه المتفجرتان بالأمل، في عيون جيش كامل، يقاوم ويحرس ويقاتل.
ليبيا منذ أيام هذا الشيخ الهلالي المختار، لا تعدُّ قتلاها، بل تحرس أسماءهم في السماء، وتزرع في الأرض لهم رايات وعلامات وذكرى..
هناك..
في الصحراء التي جرَّحتها سنابك الخيل، هل خبأ فيها المجاهدون ذهباً أو مالاً أو سلاح.. وهناك، فتِّشوا الغيم فوق قبورهم، هل ملأوه بالنفط، أقيموا حواجزَ على الطرقات القديمة، التي كانت تمرُّ بها الخيل والجند، هل سلبوا أحدا مرَّ أو أقام، وانبشوا صحائفهم، هل تُرى كذبوا وباعوا واشتروا ..
لقد انتصروا فحسب.. ماتوا بشرف حقيقي، ورحلوا خِفافاً وأبطالاً ومبتسمين