in

الضحايا يقدمون الأضاحي

سالم العوكلي

سالم العوكلي

قبل عيد الأضحى 2017 استلمت 300 دينار ليبي من المصرف، وهو أول مبلغ يصرف منذ 3 شهور ، ويعادل 36 دولاراً ، يعني معدل 12 دولارا شهريا ، أي 40 سنت يوميا، وإذا ما قسمناها على 6 عدد أفراد الأسرة فكل فرد من نصيبه حوالي 7 سنتات يوميا . وطبعا هذا حال كل الليبيين ما عدا أعضاء المؤتمر الوطني السابق، وأعضاء مجلس النواب، وأعضاء لجنة الدستور ، وأعضاء الحكومات المختلفة، والدحناسة الملتصقين بكل هؤلاء، وأعضاء الميليشيات والجماعات الإرهابية، والمهربون وقطاع الطرق، ورجال الأعمال والتجار الذين يحتفظون بسيولتنا في خزائن بيوتهم.
البارحة ذُكر في تقرير عن مسلمي الروهينغا في بورما أن نصيب الفرد من الدخل يوميا نصف دولار، ولذلك تعتبر أكثر الأقليات بؤسا على وجه اللأرض من ناحية مستوى المعيشة، ولم يكن التقرير دقيقا لأن أتعس أقلية هم ما يقدر ب 80% من الشعب الليبي المسلم .
مضى عيد آخر من الأعياد التي أصبحت مربكة للمحتفلين بها، وتدبر الناس في ليبيا أمورهم ـ كعادتهم منذ القرن الماضي، أو منذ الأزل ــ لتصعد أدخنة الشواء من كل بيت، وتمتلئ الشوارع والميادين والأرصفة وجوانب الطرقات بأكداس المخلفات التي تعفنت بسرعة نظرا لارتفاع درجة حرارة كل شيء، وأنذرت بعض المدن بكارثة بيئية تتهددها.
أذكر في التسعينيات وقبلها وبعدها من القرن الماضي، عندما كانت المرتبات البائسة تتأخر لشهور طويلة ولسنوات في بعض القطاعات، كنت قبل العيد بأيام جالسا مع أحد شيوخ درنة الظرفاء الذي كان يتقاضى مرتبا ضمانيا يعادل وقتها 35 دولارا شهريا، وكان يفكر بضيق في عيد الأضحى الذي على الأبواب، وعبر عن ضيقه أمامنا، فقال له أحد الورعين الفقراء إنها سنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، فرد الشيخ بابتسامة يخالطها ألم : سيدنا إبراهيم جاءه الكبش هدية من ربه أما أنا فمضطر للاستدانة والعيش بقية الأشهر في عجز حتى يأتي عيد آخر ويتضاعف العجز. وقتها كانت السيولة متوفرة جدا في البنوك لكن لا مرتبات في الحسابات الجارية أو الكسيحة، بعكس ما يحدث الآن حيث الحسابات جارية والبنوك مفلسة والصكوك فرصة السماسرة والتجار للانقضاض على الأرصدة بمضاعفة سعر كل السلع.
في تلك السنين العجاف، حيث كانت ليبيا مستقرة كما يقال والنفط يباع بأعلى الأسعار، كنت أرسل معايدة لأصدقائي الموثوق فيهم، مفادها : ” كابوس إبراهيم تحول إلى عيد أما كوابيسنا فمحض كوابيس”.
وكنت عن كثب أرى وقتها العيد وهو يتحول في عيون الآباء إلى كابوس ، وهم يعيشون تداعيات العيد من عجز وديون تلاحقهم حتى يطل عيد آخر أو بداية عام مدرسي ويضاعف الأزمة، ومن هذا الضيق الذي عاشه معظم الليبيين في إحدى أغنى دول العالم في الكون اكتسبوا الخبرة ليتدبروا أمورهم حتى أصبح الشكل لا يعكس المضمون. هذا الشكل الذي كثيرا ما خدع المتابعين بمؤشر كاذب يقول أن الليبيين سعداء ويتمتعون بقوة شرائية عالية، بينما في الواقع يتمتعون بقوة صبر عالية وبقوة هائلة في التحايل على الظروف وفي الضحك رغم الحزن الغائر في دواخلهم. كانوا يتجنبون إظهار الفقر من أجل كبريائهم وكانوا كثيرا ما يدفعون الثمن غاليا من أعصابهم ومن صحتهم، فتراهم طوابيرَ على دول أخرى فقيرة من أجل أن يعالجوا فيها ما ألم بهم من أمراض مزمنة نتيجة الضغوط والتوتر التي تصاحب التظاهر بالسعادة.
كان ما يضاعف ألم معظم الليبيين أنهم عاشوا هذه الظروف القاهرة في دولة يعرفون أنها غنية لكنها مسروقة، واستغرب اليوم من يحنون لذلك الزمن الذي عشته ـ كأحد المواطنين الذين من المفترض أن يكونوا من ضمن الطبقة الوسطى أو طبقة التكنوقراط ـ عشته على خط الفقر وغالبا لا أملك قوت يومي . فقط لصوص تلك المرحلة، وأصحاب النفوذ، والمستفيدون من الفوضى والفساد، والمتاجرون بقوت الشعب ، هم من يحنون إلى ذلك الزمن الذي عاشوا فيه جنتهم على حساب جحيم معظم الليبيين.
يقول شاعر شعبي من بدايات القرن الماضي: “مرات عشر كباش يبقى عيدي ومرات ما نكسب ولا صياحة” عاكسا مصادفات ذلك الزمن الخاضعة ظروفه لمؤثرات طبيعية تتعلق بالجفاف والجدب والأوبئة التي تفتك بما يملكون. وبعد أن كف الناس عن التحديق في السماء وغيومها وتحولت أنظارهم إلى المطر الأسود المنبثق من أعماق الصحراء والذي لم ينجُ هو أيضا من سنين الجدب والبخل، بدأت جدلية بين السوق والجيوب تمثلت في ثلاث مظاهر:
المظهر الأول إبان الثمانينيات حيث كانت الجيوب مكتظة بالنقود لكنهم لا يجدون ما يشترونه بسبب تأميم التجارة الخاصة وإغلاق جميع الدكاكين ، فنجدهم في كل طابور واقفين دون أن يعرفوا حتى السلعة التي يتم بيعها، والبعض يسافر إلى تونس أو مصر أو تركيا للحصول على أساسيات الحياة، بما فيها الحلوى والبسكويت للأطفال الذين وصلوا سن المراهقة ولم يروا الموز إلى في كتب العلوم في المدارس.
المظهر الثاني إبان التسعينيات التي كانت فيها السيولة متوفرة في البنوك لكن حساباتهم (على الأحمر القاني) بسبب تأخر المرتبات وضعفها ، وكانت مشاهدة طوابير طويلة من التكنوقراط الليبي في المصارف تستمر لساعات طويلة من أجل الحصول على 50 دينارا (على الأحمر).
المظهر الثالث في العشرية الثانية من الألفية الثالثة حيث يتمتع الليبيون بأرصدة في البنوك لا يستطيعون سحبها لعدم وجود سيولة، حيث السيولة تكدست في خزائن من يستفيدون من نقصها ويتاجرون بالصكوك مراباة مضاعفة وعلنية أمام الله وأهل الفريق. بينما دور إفتائنا مشغولة بملاحقة الكتب وحرقها ومراقبة القصائد والنثر وساكتين عن هذا الربا العلني ، بل أن فتاواهم بإيقاف الفائدة في المصارف هي ما أدت بها إلى الخلو من السيولة، مع أن فوائد المصارف تذهب إلى المصرف المركزي المرادف في لغتهم لبيت مال المسلمين بينما فوائد الصكوك التي وصلت إلى 50% تذهب إلى جيوب السماسرة والتجار.
تقديم الأضحية سنة واجبة على كل مقتدر أما غير المقتدر فهو من تتوجه إليه صدقات المقتدرين لتكتمل الحكمة من هذا العيد، غير أن الذبح أصبح تقليدا اجتماعيا ومرتبطاً بقيمة الإنسان المعنوية وبشرفه الاجتماعي، بل أن العجز عن ذبح الضحية أصبح نوعا من العار الاجتماعي الذي يتحاشاه الجميع، والأطفال في الأسرة أداة ضغط عاطفية أخرى، لأنهم إذا لم يسمعوا صياح الخروف ويشاهدون دمه المسكوب صباح العيد فسيشعرون بالانكسار والهزيمة والهوان أمام أطفال الشارع والحي .
بسبب كل ذلك كان أرباب الأسر يحتشدون حول حظائر الخرفان الوطنية الأصيلة، وهذه المرة لم أحدق في عيون الناس لكني كنت أحدق في عيون الخرفان المذعورة من هذا الحشد المحيط بها، وكأن لسان حال كل خروف يقول : ما هذا الشعب الغريب الذي لا نستطيع النجاة من سكاكينه حتى وهو مفلس وتحت خط الفقر؟!.