in

أضاعوه وأي فتى أضاعوا ..

محمد حديد
محمد حديد

محمد حديد

هكذا كان حال كل فتى ضيّعته الحرب فقد وصلتني عدة رسائل ومكالمات يحكي أصحابها عن حالهم التي وصلوا إليها بعد الحروب الطاحنة التي خاضوا غمارها. فكم من مستشفى خارج البلاد صار مجرد مأوى للجرحى الذين أصيبوا جراء الاشتباكات ولا من شيء يمكن أن يقدّم لهم الشفاء، سوى من حالفه الحظ وتم تسفيره للعلاج إلى ألمانيا أو إيطاليا وأما البقية فلهم الصبر أو تصديق وعود مسؤول في لجنة الجرحى، وهو يعلم أن الديون تراكمت على البلاد والمستشفيات التركية والتونسية واليونانية وغيرها تنتظر سداد حقها في عملية علاج من دخلوا في أتون هذه الحرب التي لم تبقي ولم تذر.
حالة استياء رأيتها على وجوه المصابين والمبتورين ولا يزال الحبل على الجرار، ولا تزال هناك أصوات تنادي بالدخول إلى معركة باسم حماية الثورة والدعوة أحيانا إلى تأليه وتبجيل من أعطى صك الغفران رسم الجنة أمام من يقاتل في سبيل أن يحيا هو وأفكاره، لا أن يحيا الوطن وكذلك إدخال خطاب العواطف المؤثرة في قلوب الشباب الحدثاء بعهد الحياة الذين أخذتهم حمية الإشاعة والحرب النفسية والقيل والقال .
أذكر بعد أحداث فجر ليبيا ماعُرف بعملية الشروق التي ضاع فيها شباب كثر. وبعد انتهاء هذه الحروب قال لي أحد المقاتلين الذين لم يغيبوا يوما عن ساحة الحرب بأنهم “كلوا طاجين” وأن الوعود التي حصلوا عليها من قاد الحرب لم تعد سوى محض كذبة قيلت لكي تزداد نار الحمية والتعصب، ولم يدرك هذا “الأحد” سوى أنه كان حطب نار أوقدت من أجل مصالح أشخاص بعينهم، وأقفلت جامعات ومعاهد عليا بعذر أن طلابها في الصفوف الأمامية للجبهة.
مايؤلم النفس ويدمي القلب هو ضياع هذا الكادر الشبابي. ضاع بين مستشفيات الخارج وضاع حتى داخل عقله وتفكيره ولم يعرف أن مستقبل البلاد، وهو التعليم صار يقفل بسبب الحروب ولمّا تنتهي هذه الشعارات التي أخذت قلوب المقاتلين وصار المشهد الكئيب يصور ضياع فتيان البلاد الذين وإن نجوا من حرب مات فيها أندادهم، إلا أن مستقبلهم مات ويحتاج إلى عقل يعيد فيه الحياة من جديد.
__________________________
محمد حديد
خاص 218